فخر الدين الرازي
103
مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث )
المسكين حاجته ليست مختصة بموضع كان مقدما على من حاجته مختصة بموضع دون موضع . المسألة الثالثة : ذكر الأقارب في جميع المواضع كذا اللفظ وهو ذوو القربى ، ولم يذكر المسكين بلفظ ذي المسكنة ، وذلك لأن القرابة لا تتجدد فهي شيء ثابت ، وذو كذا لا يقال إلا في الثابت ، فإن من صدر منه رأي صائب مرة أو حصل له جاه يوما واحدا أو وجد منه فضل في وقت لا يقال ذو رأي وذو جاه وذو فضل ، وإذا دام ذلك له أو وجد منه ذلك كثيرا يقال له ذو الرأي وذو الفضل ، فقال ذَا الْقُرْبى إشارة إلى أن هذا حق متأكد ثابت ، وأما المسكنة فتطرأ وتزول ولهذا المعنى قال : مِسْكِيناً ذا مَتْرَبَةٍ [ البلد : 16 ] فإن المسكين يدوم له كونه ذا متربة ما دامت مسكنته أو يكون كذلك في أكثر الأمر . المسألة الرابعة : قال : فَآتِ ذَا الْقُرْبى حَقَّهُ ثم عطف المسكين وابن السبيل ولم يقل فآت ذا القربى والمسكين وابن السبيل حقهم ، لأن العبارة الثانية لكون صدور الكلام أولا للتشريك والأولى لكون التشريك واردا على الكلام ، كأنه يقول أعط ذا القربى حقه ثم يذكر المسكين وابن السبيل بالتبعية ولهذا المعنى إذا قال الملك خل فلان يدخل ، وفلانا أيضا يكون في التعظيم فوق ما إذا قال خل فلانا وفلانا يدخلان ، وإلى هذا أشار النبي عليه الصلاة والسلام بقوله : « بئس خطيب القوم أنت » حيث قال الرجل من أطاع اللّه ورسوله فقد اهتدى ، ومن عصاهما فقد غورى ولم يقل ومن عصى اللّه ورسوله . المسألة الخامسة : قوله : ذلِكَ خَيْرٌ يمكن أن يكون معناه ذلك خير من غيره ويمكن أن يقال ذلك خير في نفسه ، وإن لم يقس إلى غيره لقوله تعالى : وَافْعَلُوا الْخَيْرَ [ الحج : 77 ] فَاسْتَبِقُوا الْخَيْراتِ * [ البقرة : 148 ] والثاني أولى لعدم احتياجه إلى إضمار ولكونه أكثر فائدة لأن الخير من الغير قد يكون نازل الدرجة ، عند نزول درجة ما يقاس إليه ، كما يقال السكوت خير من الكذب ، وما هو خير في نفسه فهو حسن ينفع وفعل صالح يرفع . المسألة السادسة : قوله تعالى : لِلَّذِينَ يُرِيدُونَ وَجْهَ اللَّهِ إشارة إلى أن الاعتبار بالقصد لا بنفس الفعل ، فإن من أنفق جميع أمواله رياء الناس لا ينال درجة من يتصدق برغيف للّه ، وقوله : وَجْهَ اللَّهِ أي يكون عطاؤه للّه لا غير ، فمن أعطى للجنة لم يرد به وجه اللّه ، وإنما أراد مخلوق اللّه . المسألة السابعة : كيف قال : وَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ مع أن للإفلاح شرائط أخر ، وهي / المذكورة في قوله : قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ [ المؤمنون : 1 ] فنقول كل وصف مذكور هناك يفيد الإفلاح ، فقوله وَالَّذِينَ هُمْ لِلزَّكاةِ فاعِلُونَ [ المؤمنون : 4 ] وقوله : وَالَّذِينَ هُمْ لِأَماناتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ راعُونَ * [ المؤمنون : 8 ] إلى غير ذلك عطف على المفلح أي هذا مفلح ، وذاك مفلح ، وذاك الآخر مفلح لا يقال لا يحصل الإفلاح لمن يتصدق ولا يصلي ، فنقول هذا كقول القائل العالم مكرم أي نظرا إلى علمه ثم إذا حد في الزنا على سبيل النكال وقطعت يده في السرقة لا يبطل ذلك القول حتى يقول القائل ، إنما كان ذلك لأنه أتى بالفسق ، فكذلك إيتاء المال لوجه اللّه يفيد الإفلاح ، اللهم إلا إذا وجد مانع من ارتكاب محظور أو ترك واجب . المسألة الثامنة : لم لم يذكر غيره من الأفعال كالصلاة وغيرها ؟ فنقول الصلاة مذكورة من قبل لأن الخطاب هاهنا بقوله : فَآتِ مع النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم وغيره تبع ، وقد قال له من قبل فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفاً